علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

13

نسمات الأسحار

يكون ظهوره ثانيا مكذبا لمن تحدى به أولا . فإن قالوا : النبي تقيد دعواه في خطاب من تحدى ويقول : لا يأتي أحد بمثل ذلك ، إلا من يدعى النبوة صادقا في دعواه . قلنا : إن ساغ تقدير تقييد الدعوى بما ذكرتموه فلا يمتنع أيضا أن يقول نبي : لا يأتي بمثل ذلك متنبئ ولا متخرق مفتر ولا من يروم تكذيب نبي ، ولا تخرج الكرامات عن هذه الجهات ، وليس تقييد أولى من تقييد ، وما احتجوا به أن قالوا : لو جوزنا انخراق العوائد للأولياء ، لم نأمن في وقتنا وقوعه ، وذلك يؤدى إلى أن يتشكل اللبيب في جريان دجلة دما غبيطا وانقلاب أطوار ذهبا وحدوث بشر سوى من غير إعلان وولادة ، وتجويز ذلك سفصطة وتشكك في الضروريات . قلنا : هذا الذي ذكرتموه ينعكس عليكم في زمن الأنبياء ، فإن الذين كانوا في مدة الفترة وهي بين العروج بعيسى إلى انبعاث محمد عليهما الصلاة والسلام كان لا يسوغ منهم تجويز ما منعتم تجويزه في محاولة دفع الكرامات ، ولما انبعث النبي وانخرقت العادات وظهرت الآيات ، استل عن صدور العقلاء الأمن من وقوع خوارق العوائد ، وهذا سبيلنا فالذي دفعنا إليه فنحن الآن على أمن من أن الذي قدروه لا يقع ، فإن قدّر اللّه وقوعه قلب العادة وأزال العلوم الضرورية ، فإن ما قدروا وقوعه لا يقع فقد بطل ما قالوا واستبان بانفصالنا عنه أصلنا في الكرامة ، وأطال رحمه اللّه تعالى الكلام في الدليل عليهم ، تركته خوف الإطالة وتلخيصه إن ما من أمر يخرق العادة ، إلا وهو مقدور للّه تعالى ابتداء وهو قادر على كل شئ فليس بمستحيل أن يكرم من شاء بما شاء فذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء فتدبر بما قال . فإن قيل : ما الفرق بين الكرامة والمعجزة ؟ قلنا : لا يفترقان في جواز العقل إلا بوقوع المعجزة على حسب دعوى النبوة ، ووقوع الكرامة دون ادعاء النبوة ، واستدل مثبتو الكرامة بما لا سبيل إلى ردّه في مواقع السمع فإن أصحاب الكهف وما جرى لهم من الآيات لا سبيل إلى جحده ، وما كانوا أنبياء إجماعا ، وكذلك خصّت مريم عليها السلام بضروب من الآيات